
تتجه الفنانة التشكيلية فيفيان الصائغ في لوحاتها، التي عرضت بعضها في غاليري «إتيان دو كوزان» بباريس عام 2007 بمعرض ثنائي، وفي معارض جماعية أخرى، نحو الاختزال، والتحوير أحياناً، لدرجه محو ملامح الوجوه في أحيان كثيرة، ولقد تميزت لوحاتها بتلقائية لونية،
وبسماكات في أماكن متفرقة من اللوحة، وبملامح تعبيرية واضحة إن لجهة تبسيط الأشكال (موضوع المرأة تحديداً) أو لجهة اختيار الألوان (معالجة الجسد والوجه بألوان خلفية اللوحة التجريدية..) الشيء الذي يعني تداخل عناصرها النسائية بخلفية اللوحة التجريدية، ولهذا تقدم أجوبة لتساؤلات حيال علاقة لوحاتها بتداعيات ثقافة فنون العصر، وعلاقة تجربتها بالجرأة اللونية، وخاصة في اضافة سماكات ولمسات لونية ارتجالية.
بلباس المودرن .
ففي هذه اللوحات عرفتنا فيفيان على صياغة تشكيلية مستمدة من عوالم الفن الحديث، حين عمدت إلى استعادة مجد اللمسة التعبيرية، منطلقة من اتجاهات فنية معاصرة اتخذتها كإطار تشكيلي ثقافي، يجسد الحركة من خلال الخط واللون وتلقائية اللمسة وإيحاءاتها اللونية العاطفية بدفقها العفوي والمباشر.
وإلى جانب الجرأة في استخدام اللون والخط العفوي، شاهدنا جرأة أيضاً في مجاهرتها بموضوع جسد المرأة العاري او شبه العاري، بلباس «المودرن» الذي تبحث من خلاله عن مفاصل جمالية صعبة، بالمقارنة إلى تصوير المرأة بلباسها التقليدي والكامل.
هكذا يظهر الهاجس التلويني العفوي كعنصر رئيسي في مجمل لوحاتها، ولهذا فهي لا تعطي أهمية للون ذي المرجعية الواقعية، فوجه المرأة أو جسدها لا يأخذ، عن قصد، لونه الطبيعي في لوحاتها، وانما يتداخل مع خلفية اللوحة أو أرضيتها التجريدية.
نجد أيضاً اهتماماً في إبراز الأبعاد (تدرجات الظل والنور) داخل المشهد، بقدر الاهتمام بالذوق اللوني من منظور تطور علم الجمال الحديث، فاللمسات والحركات والمناخات اللونية تكشف في جوهرها عن هواجس البحث عن أسلوب فني يعكس إيقاعات التفاعل والانفتاح على الطروحات الثقافية الفنية، ولهذا جاءت تجربتها التشكيلية والتقنية معتمدة على أسلوب التبسيط الشكلي العفوي، لدرجة تحويل الوجه احياناً الى مساحة لونية، إلى جانب إعطاء أهمية أخرى لحضور خط الرسم الرفيع، الذي يساهم في إغناء اللوحة وإظهار قيمتها الفنية والتشكيلية.
واللمسة التعبيرية في لوحاتها تسجل مرحلة انتقالية أخرى، من معطيات اللمسة اللونية الهادئة أو من مظاهر الفن الواقعي، إلى مظاهر الانحياز التعبيري نحو المساحات اللونية المتحررة، التي تختصر حركة الشكل أو مظهره الخارجي.
ورغم استعراض دلالات الخطاب الاختزالي والتبسيطي، فهي لا تعتبر التقنية بحد ذاتها هدفاً نهائياً، إنما تعمل للوصول إلى ذلك الافتتان بالمرأة - الموديل، وبالأجواء اللونية المتحررة، التي تجعل التأليف البصري أكثر طراوة وأكثر مفاجأة وأكثر حيوية.
هذا يعني أن المعالجة الاختزالية تظهر في لوحاتها من دون تقشف، وبمزيد من الغنى والكثافة اللونية، التي تساهم في إبعاد اللوحة عن الخطابية، التي نجدها في الأداء اللوني الصالوني التزييني والهندسي.
وفيفيان تقدم في لوحاتها ما له علاقة بالتعبيرية والتجريدية.. وتبرز قدرة على تكييف لوحاتها، مع هذا النسيج المتنوع والمختلف من الاتجاهات الفنية التي تصارعت سنوات. وفي كل ذلك تقدم تنسيقاً واضحاً للألوان، وتقترب كثيراً من الايقاعية والغنائية (لمسات اللون المتتابعة والمتراقصة التي تغمر الأشكال) وتقدم من خلالها، دينامية لونية تحرك المشهد أمام العين.
وتهتم في إبراز الضوء بعيداً عن توكيد قواعد المنظور، حيث تقدمه في أكثر الأحيان على أنه يشع من اللمسات اللونية المتراقصة أو من أماكن موزعة بآلية عفوية مبدلة بين لوحة وأخرى صيغته اللونية والضوئية.
وتسيطر على الشخوص في لوحاتها نفحة من الحزن، الذي تبرزه أيضاً الأجواء اللونية الخافتة أو المعتمة. والصياغة اللونية تذهب بشكل عام لإظهار العفوية والتلقائية عبر الضربات واللمسات والحركات التي تعالج من خلالها أشكالها وتكاوينها التشكيلية التعبيرية والجمالية.
والمشهد في لوحاتها يضم امرأة أو اكثر وتبدو في أكثر الأحيان وكأنها تتحرك بحالة ضياع وبهجرة دائمة، ولعل الاختصار البليغ لملامح الوجوه والأجساد البشرية، يزيد من حدة التعبير الدرامي داخل اللوحة، حيث تعمل على حذف مجمل تفاصيل الوجه، بحيث يتحول إلى مساحة أو يظهر من خلال ضربات لونية مباشرة، وقد تمتد لتشمل كامل مساحة الجسد ومساحات متفرقة من اللوحة.
حركات حلزونية
وإذا كنا أشرنا إلى أنها تتعامل مع اللون بعفوية وتلقائية، فهذا يعني أن الحركة العاطفية والانفعالية ظاهرة في لوحاتها، رغم أن الصياغة التشكيلية واللونية بشكل عام تبقى مدروسة وموزونة وخاضعة لاسلوب خاص بها، ولا تصل إلى حدود التجريد اللوني الخالص، فالمساحة التشكيلية التي تعمل عليها تشهد محاولات دائمة لإدخال العناصر الإنسانية والزهور والاشكال المعمارية والحيوانية والكتابية أحياناً.
وهي ليست ببعيدة عن معطياتها البيئوية المأخوذة من الواقع والتراث (وجود عناصر زخرفية وحركات حلزونية) تظهر رغبة في محاورة العناصر المحلية، التي وجدتها وتأثرت بها خلال معايشتها لها في مدينتها دمشق، التي شهدت ولادتها .
وعلى هذا الأساس نجد في لوحاتها إيقاعات متأثرة بتكاوين التراث الشرقي أو مستعادة من الذاكرة الطفولية عبر إطلالات عناصر زخرفية عفوية، فلوحاته على الرغم من تأثرها الواضح بالمصادر اللونية الغربية، تطرح في جوهرها انفتاحها على الرؤية المستمدة من إيحاءات التفاعل مع الموروث الشرقي وينابيعه المحلية، المترسخة في ذاكرة العين ومخزونها البصري، إنه الحنين إلى الأزمنة الهاربة وإلى الأصالة الغائبة، وسط هذا الخراب الروحي المتجلي، فبالرغم من بروز الانفعال اللوني في لوحاتها، فإن هذه الانفعالية تبقى منظمة وخاضعة لرقابة معقلنة، أي أن الانفعال الذي يسيطر على مساحات متفرقة من اللوحة، لا يلبث أن يتراجع بإجراء بعض التعديلات الواعية في فراغ السطح التصويري.
بقلم الناقد والفنان التشكيلي


تعليقات
إرسال تعليق